بتاريخ نوفمبر 17th, 2008هناك فقراء في جبال العلويين
كان الصيف قد بدأ بحماس في ذلك العام, وكانت الشمس قد شارفت على المغيب عندما قررنا العودة باتجاه الداخل تاركين خلفنا ذلك البحر العظيم يتلاطم مع رمال العلويين و كأنه يتجاذب معهم أطراف حديث آخر النهار. تركنا حديث البحر و شققنا طريقنا في الجبال تارةً صاعدين و تارة أخرى هابطين حتى كدنا أن نصل إلى النهاية. و قبل الهبوط من آخر تله شاهقة تعلو رأس تلك الجبال الصلبة كأهلها. قال لي والدي: لي صديق هنا أريد أن أزوره. فأجبته على الفور: لقد تأخرنا يا أبي, تكاد الشمس تخسر لمعانها الأصفر الأخير و سيهب الليل بعد قليل. و لكن والدي أصر إلا أن يزور صديقه القديم و لو لبرهة قليلة من هذا الزمن الذي يمضي بسرعة في تلك الجبال.
قرية اسمها (التمّيزة) قابعة في أعلى آخر منحدر من جبالنا عندما تعانق سهول الداخل. و على الطريق العام , كانت تزين تلك القرية - في مدخلها - بعض من مواقد التنور الصغيرة تبيع ما تيسر لها من الخبز اللذيذ لأصحاب السيارات العابرة من هناك. بيوتهم قليلة و متناثرة على السفوح, تتخلل تلك البيوت طرقات غير معبّدة و هذا ما يجعلك مجبراً على ترك السيارة على الطريق العام بعيداً و شق طريقك في وسط القرية سيراً على الأقدام.
كان الجو بارداً و كإن الشتاء لا يطيق التفكير في الرحيل عن قلوب بسطاء تلك المنطقة. كيف يعيش شعب هذه القرية؟ هل فصولهم تختلف عن فصول السنة في قرانا يا ترى؟
و ما هي إلا دقائق قليلة وصلنا بها إلى منزل فقير جداً لا يختلف البتة عن جميع منازل القرية إلا في مكانه و تمركزه. بقرة واحدة عجوز اختصت لنفسها زاوية قريبة خلف فناء الدار تجلس و تلملم نفسها من شدة البرد.
غرفتين يتوسط بهما ساحة صغيرة مصقولة بالاسمنت الخشن. لم يكن هناك باب ليتم قرعه, أو جرس كهربائي قادر على الصياح ليعلن مجيء الزوار. كان عليك أن تصرخ بنفسك ………. يا أهل الدار .. هل هناك أحد هنا؟ … يا أهل الدار ..
ما هي إلا لحظات قليلة خرج صاحب الدار بقامته العالية يعتلي فروه سمكية تكاد تشبه ما يرتديه سكان القطب الشمالي أو الجنوبي أيهما أقرب.
رجل خشنً كالجبال نفسها , ورائه بضع أطفال صغار خشنين أيضا و مبتسمين تهليلاً بقدوم زائر جديد. و بعد أن انتهينا من العناق و الترحيب تسنى لي الوقت كي القي نظرة على زوايا الغرفة, يا لها من غرفة بسيطة جداً كوجوه قاطنيها. بضع مساند و طرّاحات و بضع أغطيه متناثرة بحيث يكون غطاء واحد بجانب كل مسند. و يتوسط الغرفة موقد حطبي مطفئ و تلفاز قديم و صغير قابع في أحدى الزوايا لوحده لا يعلوه و لا يدنيه إلا السماء و الأرض.
* يا أهلا و سهلا بزوارنا الكرام . يا مرحبا يا مرحبا .. و الله إنني أشعر و كأن العيد قد جاءنا اليوم بقدومكم .. (قال صاحب البيت مهللاً)
* ما زلت كما أنت يا أبا إسماعيل .. لم يتغير عندك شيء سوى إنني افتقد لبقية عائلتك . أين هم لا أرى احد إلا أنت و هؤلاء الأطفال… ( قال أبي).
* أووه … معناها من زمان ما زرتنا . أم إسماعيل و ابنها يبيعون خبز التنّور على الطريق العام. دورهم في بيع خبز التنور يبدأ من بعد الظهر, الله يوفقها أم إسماعيل لولاها لكنت مضطراً على بيع الخبز لوحدي من الصباح حتى المساء.
* و من يعتني بالماعز إذاً؟ (قال أبي).
* هههه ماعز؟ عن أي ماعز تتكلم؟ لم يبقى ولا معزة واحدة في قريتنا (أجاب أبو إسماعيل بضحك لا يخلو من ألم ظاهر).
لم استطع أن احجب نفسي عن الكلام, فقررت أن اكسر صمتي, ثم بفضول سألته: لماذا لم يبقى لديكم ماعز ؟ هل نفق يا ترى؟ و هل بيع خبز التنّور يقيكم و يكفيكم؟
* قال أبو إسماعيل: يا بني لقد منعتنا الحكومة من تربية الماعز منذ عام. … صمت قليلا و كأنه يريد أن يجيبني أيضاً على سؤال آخر لم انطقه بعد, فقال: منعتنا الحكومة بحجة إن الماعز يقرط اخضرار الجبال. لقد قرط الفقر اخضرار أرواحنا و لم يمنعه أحد عن ذلك.
* فقلت: إلا تعرف الحكومة بأن مورد رزقكم الوحيد هو تربيت الماعز؟ ألم يفكروا قبل إصدارهم لهذا القرار بالوسيلة التي سوف تعليكم و تعيل أولادكم.
* فأجاب: الحكومة لا تعرف شيء يا بني. الشيء الوحيد الذي تعرفه هو إن هذه الجبال طريق جميل للسياح المارين من هنا باتجاه الشاطئ. الحكومة لا تعرف شيء يا بني . صدقني لا تعرف شيء أبداً . صمت قليلاً ثم تابع كلامه قائلاً: لقد منعتنا أيضا من وضع الحطب في مواقدنا. بربك لو إن الحكومة تعرف شيء , أما كان يجب عليها أن تعلم بأن مدفئ أهل القرية لم توقد منذ عام أيضاً. قضينا شتائنا و نحن نتدثّر بالأغطية السميكة خوفا من البرد. هل تعرف الحكومة شيئاً عن برد جبالنا؟ لا و الله لو تعلم لكنا في أفضل حال.
* لا تردوا على الحكومة, هذه الجبال مليئة بملايين الأشجار و بعضها يابس لا نفع منه إن لم تضعوه في مواقدكم ( قلت له).
* صمت أبو إسماعيل قليلاً كعادته ثم التفت إلى يمينه و سحب الغطاء السميك الذي كان ملقى بجانبه و ارتداه كما يرتدي العباءة ثم تابع حديثه: لقد فكرت مثلك في البداية و قررت قطع بعض الأخشاب اليابسة .. و لكنهم كشفوا أمري و وضعوني في السجن. لا أريد العودة إلى السجن مرة ثانية و لا أريد حطبهم و لا أريد الاستمتاع بصوت الماعز صباحاً. لقد تعودنا على الفقر حتى أصبح يؤنسنا.
كان لتلك الجمل الأخيرة وقع خاص في نفسي, و لا سيما أن من ينطقها كان لا يستطيع أن يمنع نفسه عن إرداف تلك الكلمات بنظرات يائسة و حزينة و لكنها قد ملّت من الحزن و الأسى
كان في جعبتي الكثير من الكلام الذي أريد أن أقوله, و لكن البرد الذي يزداد مع ازدياد الولوج في الليل لم يجعلني أفكر إلا في شيء واحد فقط , هو أن اسحب ذلك الغطاء الذي بجانبي و ارتديه كما ارتداه أبا إسماعيل, و اسكت كما سكت.
كانت كلماته لا تزال تتجول في مخيلتي و أنا في طريق عودتي جالس في المقعد الخلفي انظر إلى السماء من نافذة السيارة و أفكر.
كيف يعيش شعب تلك المنطقة يا ترى. و ما هي المعايير التي يستخدمونها في قايس شدة الفقر لديهم. كنت اسمع عن فقراء تقطن تلك الجبال, و لكنني لم اشهد مثل هذا الفقر الذي شاهدته اليوم. حتى مدارس أولادهم , بعيدة عن قراهم, لا يتنقلون إليها إلا سيراً على الأقدام.و لكنهم رغم ذلك فرحين. بيوتهم خالية من الطعام المتبقي حتى الغد, و لكنهم رغم ذلك مكتفين.
أناس بسطاء كبساطة التاريخ, فقراء في كل شيء إلا في قلوبهم و محبتهم للعيش و الهناء و للآخرين. قلوبهم فرحة رغم حزن وجوههم. أرواحهم خضراء كالجبال المحيطة بهم, رغم يباسة قاماتهم.
نعم في جبالنا فقراء و لكنهم أغنياء









القصة التي سردتها ذكرتني برحلة مشابهة عشتها مع والدي الى احدى القرى البعيدة في جبلنا
حتى احسست و كانني اتحدث انا
لقد توجهت مع والدي لتقديم واجب العزاء في هذه القرية
تخيل اخي انه لم تكن الكهرباء وصلت بعدالى بعض مساكن القرية
سكان القرية معظمهم فلاحين و اعتمادهم على الدخان و التفاح
كم احسست بالمرارة على فقر اولئك العلويين و خصوصا الاطفال عندما سمعت احدهم يقول لاخيه انه شاهد توم و جيري في بيت جده في قرية مجاورة حيث توجد الكهرباء
بالفعل كما ذكرت انهم اغنياء بكرامتهم و شهامتهم ومحبتهم للاخرين
صدقني بقيت طوال الطريق و انا عائد للبيت مع ابي و انا اشرد بهؤلاء الناس الطيبين
و افكر و احلل - صدقني لازلت اتذكرهم وكانني اعيش معهم
شكرا لك من قلبي لانك عبرت و لو بقصة مشابهة عما يجول في نفسي
بوركت و دمت بخير
هذا حالهم وهذ
نظّف روحك و تكلم
لا بعمري لم أرى أرواحاً أنظف من أرواح العلويين